الأربعاء، 14 ديسمبر، 2016

قصة رحيل الرجل الوحيد في تفجير "البطرسية": عم نبيل راح للسما

طيلة أكثر من 20 عاما تلازم وجه نبيل حبيب ومدخل الكنيسة البطرسية؛ هو حارسها الأمين، ومحبوبها المقيم بها، تحفظ يداه كل ركن بها، يخدم وافديها، يحمل الصلبان، يطفئ الشموع ويضيئها، يأخذ بيد كبار السن للعبور إلى الكنيسة، يفعل أي شيء، إلا أن تلمس راحتيه صندوق للموتى، لرهافة قلبه كان يرهب الرجل الأربعيني الموت، إلى أن أزفت الساعة؛ يوم الأحد 11 ديسمبر المنصرف وقع الانفجار، تناثرت الأجساد والأشلاء في دقائق، مس الحارس الُضر، غرق في دمائه، لكن قدماه كانت تحمله، فلم يتوان عن الخدمة. 

حاول حمل الضحايا، دقائق نُزع من حبيب كل شيء حتى الرهبة، غير أنها لحظات لم تطل؛ سقط الحارس لافظا أنفاسه مبتسما بين يدي ابنته، ليكون الرجل الوحيد بين الضحايا الـ24 الذين لقوا مصرعهم. كان في الثامنة عشر من العمر، حين وطأت قدما حبيب الكنيسة البطرسية للمرة الأولى قادما من قريته بالمنيا، ومن حينها صار المكان مستقرا ومقاما له "كان بيته هنا، وميرضاش يخرج غير للشديد القوي.. لما عياله يتعبوا يقولي روح معاهم؛ الكنيسة في حمايتي" يحكي ظريف الشقيق الأصغر للراحل.




طيلة حديث ظريف لم تفارق الضحكة وجهه، يتلقى العزاء بحزن مكتوم، يرفض أن يمتدح شقيقه الأكبر رغم كم الإطراء من العاملين بالمكان، يدخل أحدهم في الحديث "كان بيغير على دينه جدا، وكل همه يساعد الناس، مفيش راجل عجوز مخدش بأيده وعداه طريق".

يحمل الشاب الثلاثيني أدوات الفراشة استعدادا لسرادق العزاء الجماعي في اليوم الثالث من التفجير، بينما تحاصره كلمات المارة بشأن أخيه "كان أطيب واحد في المكان، يعني خلاص مش هنشوفه تاني، مش هنقدر نتخيل الكنيسة من غيره". تتلألأ عين ظريف بالدمع وهو يقول "أعماله كانت شاهدة عليه. ضميره كان أبيض، لما أبويا مات من 10 سنين محزنتش.. بس أنا أبويا مات امبارح خلاص".

في غضون العاشرة صباحا إلا خمس دقائق، يوم الأحد المنصرف، اتصل حبيب بشقيقه ظريف المسافر قبل يوم إلى المنيا، أراد أن يخبره بـطلبات يحضرها من "البلد"، فيما كانت ماريان تعد له كوب الشاي الذي طلبه منها، حال ما يطفئ الشموع المتواجدة قرب باب البطرسية. لكن أخر مكالمة من الحارس لشقيقه لم تكتمل "فجأة لقيت صوت انفجار وحاولت اتصل تاني التليفون كان مقفول" يقول ظريف، مضيفا أنه جاءه نبأ وفاة شقيقه بعد الحادث بنحو ساعة، كانت فيها الابنة ذات الخامسة العشر عاما رفيقة لحظات أبيها الأخيرة في الدنيا.


فزعت ماريان بعدما سمعت صوت الانفجار، هرولت إلى خارج المنزل، الغبار يملأ المكان، لكنها عرفت طريقها إلى مدخل البطرسية حيث أبيها، حينها رأته "وشه غرقان دم.. لكن كان واقف وبيحاول يساعد الناس"، جرت نحوه لتضمد جرحه، لكن دقائق محدودة، حتى سقط أبيها على وجهه، احتضنته ماريان بين يديها قائلة "متسبنيسش يا بابا"، فأوصاها بوالدتها وأخواتها ثم ابتسم لها كعادته "ونام بعدها" حسبما تصف الفتاة.

قبل أيام بينما كان العاملون بالبطرسية يهيئون المكان لمراسم عزاء، بادر حبيب بحمل صليب ثقيل، أوقفته أميرة نعيم –إحدى العاملات- أخبرته أن يتركه لكنه أبى وتمسك به أكثر قائلا لها "ياريت الواحد يروح مع اللي راحوا". طالما تمنى الحارس أن يموت داخل كنيسته، يحفظ الجميع رغبته تلك، يرددونها حتى ابنته الكبيرة ماريان "كان دايما يقول لماما أنا مش هخرج من هنا إلا في صندوق".


مساء ليلة الفاجعة، مع اقتراب عقارب الساعة من الحادية عشر مساءً، تقدم شاب من مدخل الكنيسة، أوقفه الحارس نبيل، تشكك في ميعاد قدومه، كما أنه وجه غير مألوف، أخبره الغريب أنه يريد دخول المكتبة، ومع إعلامه أنها أغلقت، زاد في الحديث بالسؤال عن ميعاد الصلاة يوم الأحد، ليجيبه ثلاثة من خدام الكنيسة تصادف وجودهم في ذلك التوقيت أنها من الثامنة صباحا وحتى العاشرة حسبما يقول أحد خدام البطرسية، مشيرا إلى أن ملامح ذلك الشاب قريبة من مرتكب عملية التفجير المعلن عن صورته بالأمس، لذلك توجهوا إلى النيابة للادعاء بما يعرفونه.

"نبيل" أو "بلبل" كما يلقبه ابن عمه "رضا" هو الحارس الوحيد داخل المكان، غير أن سيارة شرطة تربض أمام الكنيسة. "للأسف التأمين هو مجرد بوكس كل مهمته يمنع أن عربيات تقف قدام الكنيسة..هم فاهمين أن التفجير بيحصل بس في عربية" يقول أحد خدام البطرسية، مضيفا أن دقائق محدودة حاول فيها العم حبيب توقيف مرتكب الحادث لكنها لم تفلح "مفيش هو دخل أول باب في وشه عند السيدات وحصل الانفجار".


سقط الحارس نبيل بعد معافرة، لكن ابنته لم تستسلم، صرخت ماريان لينجدها أحدهم، في الوقت الذي اندفع "رضا" ابن عم ابيها، العامل في الكاتدرائية، تجاوز الرجل الأربعيني أمن الكنيسة المانع لدخوله، وحمل نبيل في ميكروباص أوقفوه، نُقل الحارس هو وثلاثة أخرين، كانوا أو مَن خرجوا من "الجحيم" حسبما يصف رضا.

في مستشفى الشفاء استقبل الأطباء الحارس، بعد ثلث الساعة، وضعوه على الفور في ثلاجة الموتى، ثم قيل لرضا، ومريان إنه توفى، تسمرت مشاعر الفتاة، فهرولت عائدة إلى البطرسية تبحث عن حضن أمها، بينما تتصل بها صارخة "أبويا مات".

"القدر نجاهم" يقولها ظريف مشيرا إلى عائلة عم نبيل التي تصادف وجودها خارج الكنيسة لحظة الانفجار "طول عمره بيخاف عليهم من الخروج لوحدهم بس يومها كانت مراته بتعزي في واحدة صاحبتها وخدت معاها العيال".


لا يتوقف حكي كبير أو صغير في محيط البطرسية عن الحارس نبيل، ومحبته الفائضة على الجميع، يتحدث شقيقه عن طقسه اليومي غير المنقطع طيلة سنوات عمره داخل الكنيسة، فمع دقات السابعة صباحا، كانت تنفتح عيونه. في فترات الدراسة يوصل ابنتيه ماريان ويوستينا إلى المدرسة، وبعودته يمارس عمله اليومي؛ ينظف الصلبان، يعاون في تهيئة قاعات الجنائز أو الأفراح، يتابع الحركة داخل البطرسية حتى الحادية عشر مساء، ولا ينتهي دوره ومحبته بعد غلق الكنيسة "كان يدخل يشوف حتى لو في ورقة مرمية يشيلها" كما تقول أميرة.


من عام ونصف حضر وافد جديد لأسرة عم نبيل "فادي"، صار روح والده لُيكمل عقد العائلة مع شيقتيه ماريان ويوستينا، وقبل 6 أشهر كانت أول "بابا" ينطقها الصغير، ومنذ ثلاثة أيام كان يكابد الصغير زحفا للحاق بقدم والده على باب الكنيسة، واليوم صار "فادي" بلا أب بعدما اغتاله شريط ناسف "عمره ما أذى حد.. يموتوا ليه" تتساءل ماريان وهي تشير إلى منزلهم الكائن بالجهة المقابلة لباب البطرسية من الداخل، فيما ترقد والدتها فاقدة للوعي ولا تفيق إلا للحظات منذ سماع الخبر.

دُفن نبيل بالأمس، لكن 12 ديسمبر لم يكن مجرد يوم عابر في حياة أسرته، فطوال 14 عام مضت كان يحتفل حارس "البطرسية" بعيد ميلاد ابنته البكرية "ماريان"، يُنهي عمله في الصباح ويطوي الأرض طي ليحضر لها ما لذ وطاب، فيما كان صباح الأحد 11 ديسمبر مخبأ فاجعة لماريان وعائلها مع دقات التاسعة وسبعة وخمسون دقيقة "كنت متخيلة شكله وهو جايبلي موبايل زي ما وعدني.. بس مش مهم كنوز الدنيا كلها، بابا خلاص راح للسما، نفسي بس حد يجيب حقه".




المصدر: مصراوي


شارك الموضوع

الكاتب:

موقع أخبار الكنيسة بوابة مصرية خاصة بأخبار وأحداث الكنيسة القبطية والأقباط في مصر مصادر أخبارنا هي مجلة الكرازة والقنوات التلفزيونية المسيحية وصفحة المتحدث الرسمي بإسم الكنيسة القبطية الارثوذكسية على موقع فيس بوك ومواقع اخبارية أخرى

0 facebook: