بقلم /فاطمة ناعوت 

على طريقة «يقتل القتيل ويمشى فى جنازته»، وبكل صفاقة، ينظر الكونجرس الأمريكى الآن مشروع «قانون خاصٍّ بترميم الكنائس» «المصرية!» التى حُرقت وفُجّرت أثناء حكم الإخوان الأغبر لمصر وبعد فضّ اعتصامى رابعة والنهضة المُسلّحين!!

وبالطبع، وكما عودتنا كنيستُنا المصرية الوطنية، أعلن قداسة البابا تواضروس والقائمون على الشأن المسيحى بمصر، فى بيان رسمى، رفضهم هذا المشروع بشكل مبدئى وحاسم.

وكأن أمريكا تظنُّ أننا، نحن المصريين مسلمين ومسيحيين، لا نعى أن أمريكا هى التى دعمت الإخوان وأضرابهم بالمال والعتاد والخطط الجهنمية، ووفرت لهم الحماية حتى يسرقوا عرش مصر عامًا كاملًا، حتى أجهض مسعاها اللئيم شعبٌ عظيم وجيش عظيم، فى يونيو ويوليو 2013. 

وكأن أمريكا لا تدرك أننا مدركون أنها هى التى زرعت داعش المجرمة فى العراق بعد غزوها واحتلالها فى 2003، بزعم وجود أسلحة دمار شامل، لم يُعثر عليها بعد! فاحتلّت العراق العريق ودمّرت تراثه وبشره، قبل أن تنتقل إلى سوريا لتنفّذ فيها مخططها الإجرامى ذاتَه! وكأن أمريكا لم تفهم بعد أن المصريين يعرفون أن هيلارى كلينتون، ذات الشعبية الأمريكية الفائقة، كانت تعمل على التضحية بأقباط مصر لصالح أمريكا، مثلما سمحت بإبادة مسيحيى العراق على يد داعش تحت سمع وبصر أقوى جيوش العالم الذى نظر وصمت ولم يحرّك ساكنًا. 

وكأن أمريكا لم تعِ بعد أننا واعون للمليارات التى دعمت بها الإخوان فى مصر، مثلما تدعم اليوم «داعش» بالسلاح الذى تموّله قناطير «قطر»، من أجل إنهاك المنطقة العربية وجيوشها لصالح عيون إسرائيل العزيزة على قلبها. وكأن أمريكا لم تفهم بعد أننا نرى بعيوننا كيف أسقطت نظام القذافى فى ليبيا، ليس لرخاء الليبيين، بل لدعم الفوضى والشتات وقوى الإرهاب الذى ينحر عنق ليبيا كل نهار.

وكأن أمريكا لا تعرف أننا نعرف أنها تبتسم مع كل حادث طائفى فى مصر، ثم تُخفى ابتسامتها لتنظر كيف تحوّل المأساة إلى منفعة لسياستها فى الشرق الأوسط التى تصبّ دائمًا فى صالح إسرائيل! أمريكا تظنّ بكل بلاهة وانعدام رؤية أن محنة الأقباط المسيحيين فى مصر، وهى حقيقة يراها المبصر والأعمى، ربما تنحر فى وطنيتهم وذكائهم وعشقهم لمصر ووحدتها، وهو ما لم يحدث عبر التاريخ، ولن يحدث أبدًا، وفى بيان الكنيسة الأخير ما يؤكد هذا. 

أشاد بيان الكنيسة بتعهّد الرئيس عبدالفتاح السيسى، بترميم الكنائس وإصلاحها بالجهود والأموال المصرية قبل انتهاء 2016، وهو ما تقوم به الهيئة الهندسية بالقوات المسلّحة المصرية، على الوجه الحسن، حتى الكنيسة البطرسية، آخر ضحية للإرهاب، سوف تكون جاهزة للصلاة عشية عيد الميلاد المجيد.

ولكن، والمحن كلّها تكمن فى «لكن» التى تُفتّح العيونَ على المثالب والمشاكل لنواجهها. ولكن علينا أن ندرك أن «وطنية» أقباط مصر، يجب ألا تُنسينا عدة أمور علينا تأملها.

أولًا: أن جهود مصر فى معالجة «آثار» الإرهاب، لا ينفى تخاذلها فى مكافحة «أسباب» الإرهاب. جميلٌ أن تُسارع مصرُ لترميم كنيسة سحقتها يدُ الإرهاب السوداء، ولكن مصر ذاتها تعزّز الإرهاب الفكرى الذى يضع القنبلة فى يد الإرهابى «المُنفّذ»، وتلفّ خصرَه بالحزام الناسف.

ثانيًا: أن مصر تعالج «العرض» ولا تداوى «المرض». لأن الإرهابى ذا الاثنين وعشرين عامًا الذى فجّر البطرسية، وغيره من المجرمين، لم يتعلّموا الإرهاب بين ليلة وضحاها، إنما تم غسيل أمخاخهم الهزيلة على مدار سنوات طوال من الشحن الطائفىّ فى المدارس والزوايا وأشرطة التسجيل التى يعبئها بالسموم مشايخُ التضليل، على مرأى ومسمع من الحكومات المصرية والحكّام المصريين منذ ستين عامًا، ولا يوقفهم أحد.

ثالثًا: أن المعلّم والمعلّمة فى مدارس مصر، وخصوصًا مدارس الصعيد، يُعدّون، دون دراية، إرهابيين جددًا فى طور النشء حين يميّزون فى المعاملة بين الطالب المسلم والطالب المسيحى. وأن مناهج التعليم المصرى المُفخّخة بالعنصرية والطائفية تقوم بالدور نفسه فى تهيئة روح الطالب على الإرهاب حين يتيسّر له الأمر ويحوز سلاحًا.

رابعًا: أن الإرهاب «اللفظى» ضد المسيحيين، الذى تسمح به الدولة المصرية على الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعى والمدارس والزوايا والطرقات، لا يقلّ خطرًا عن الإرهاب «المسلّح»، لأن الإرهاب اللفظى هو إرهابٌ «منزوع السلاح». إن توفّر له السلاح؛ قتلَ وفجّرَ ونسفَ ونحر.

خامسًا: هناك آية فى الإنجيل تقول: «يُدافَعُ عنكم وأنتم صامتون»، ويفهم منها المسيحىّ أن اللهَ يدافع عنهم وإن صمتوا ولم يدافعوا عن أنفسهم، ولكننا فى الدولة المدنية التى ننشدها، حيث حقوق المواطنة والعدالة، نفهم منها أن «الدولة» هى التى يجب أن تقوم بهذا الدور فى الدفاع عن مواطنيها، ولا تكتفى بأن تذهب إليهم فى كنائسهم، بعد وقوع الهول والتفجير والتقتيل، لتواسى جراحهم وتمسح دموعهم وتعدهم بإصلاح ما تلف، لأنها إن أصلحت كنيسة دُمّرت لن تستطيع إعادة الروح لمن استشهد منهم. الأولى أن تمنع الدولةُ ذلك الهول من «المنبع» لا أن تعالج ما تيسّر من تداعياته المُرّة.

سادسًا: مازال القانونُ فى مصر ميزانُه مائل إذا ما تعلّق الأمر بنزاع بين مسلم ومسيحى. ومازال القانون أعرجَ كسيحًا فى توقيف المُحرّضين ضد المسيحيين. ومازال مَن هدموا كنيسة «صول» على مدار اثنين وعشرين ساعة على مرأى من الدولة ومسمع، أحرارًا طلقاء يعيثون فى الأرض فسادًا. ومازالت أُذن «أيمن ديمترى» المبتورةُ، مبتورةً، دون أن يُقتصَّ من الجُناة السفاحين. وتلك جميعها، وغيرها الكثير، «ثغراتٌ» تُطلُّ منها أمريكا برأسها الإرهابية على شأننا الداخلى «المعوجّ»، وآن الأوان لنعالج اعوجاجَه نحن من جذوره.

وأخيرًا: ما كان لأمريكا أن تتدخّل فى شأننا على هذا النحو السافر السافل لو أنها لم تجد «الثغرة» التى تدخل منها. والحقيقة أن تلك الثغرةَ شقٌّ هائل وصدعٌ مُخجل يتجلّى فى معاناة المسيحيين فى بلادهم منذ عقود طوال، ليس وحسب فى تفجير كنائسهم واضطهادهم الصريح فى صعيد مصر، بل أيضًا فى عدم السماح لهم بتقلّد المناصب القيادية الرفيعة فى مصر على عكس ما كان يحدث قبل نشوء جماعة الإخوان عام 1928 واستفحالها وتغلغلها فى مفاصل مصر ونشر فكرها العنصرى الإقصائى فى عقول الناس على مرّ السنين.

بل غير مسموح لطالب الطب أن يتخصص فى أمراض النساء والتوليد اليوم، حتى لا يعالج امرأة مسلمة، رغم أن أبى المسلم المتصوف المثقف حافظ القرآن، ذهب بأمى لطبيب مصرى يهودى اسمه «ليون ليشع» لأولَد أنا على يديه، وقت كانت مصر متحضرة.

أيتها الحكومة المصرية، «آن الأوان لإصلاح العقول قبل إصلاح الكنائس». فما كان للكونجرس الأمريكى أن يتجاسر بتقديم ذلك المشروع المتبجّح لو لم يجد العنف الطائفى ضد المسيحيين فى صعيد مصر مستمرًا وناصعًا على مرأى من الدولة المصرية ومسمع!

تحية احترام وإجلال للكنيسة المصرية الوطنية العريقة التى تأبى تدخّل أمريكا فى الشأن المصرى ببيانها المحترم الرافض لمشروع الكونجرس الأمريكى، لترميم كنائس مصر، وتحية احترام وإجلال لمسيحيى مصر الذين يثبتون يومًا بعد يوم، ومحنة بعد محنة، وهولًا بعد هول، مدى نضوجهم ووطنيتهم وتحضّرهم. هم الذين طالما علّمونا أن المحبة لا تسقط أبدًا، وأن التحضّر والتعليم والترقّى هو الحلّ لكل ما نمرُّ به من محن وأهوال.



المصدر: اليوم السابع

Post a Comment

 
Top